أخبار وطنية يوم السبت 12 جانفي بالتياترو: تكريم أحد مؤسسي حركة برسبكتيف الفقيد رشيد بللونة.. وفتحي بلحاج يحي يكتب عنه ما يلي
تنظم جمعية برسبكتيف للذاكرة والمستقبل لقاء لتكريم أحد مؤسسي حركة برسبكتيف الفقيد رشيد بللونة وذلك يوم السبت 12 جانفي على الساعة الثالثة بعد الزوال بفضاء التياترو بالعاصمة.
وقد نشرت صحيفة المغرب نصا صاغه عضو حركة برسبكتيف والسجين السابق فتحي بلحاج يحي بهذه المناسبة.
"دجنتلمان برسبكتيف ... ينسحب بأناقة
بقلم فتحي بن الحاج يحيى
10 جانفي 2019
كنّا نسمع عن رشيد بن للّونة كما نسمع عن بقية رفاقه من الجيل الأوّل لبرسبكتيف. في سنة 1975 وقعت استضافتنا بسجن 9 أفريل وتحديدا بجناح الزنزانات، تعرّفت حينها على بعض مرابيط الحقّ العامّ الذين يدخلون السجن ويخرجون منه بوتيرة تفوق وتيرة الأثرياء الذين يتوافدون سنويّا على الحجّ والعمرة غسلا لذنوبهم، وأعلموني أنّهم تعرّفوا في نفس هذا المكان على فوج 68 من المساجين السياسيين. ظلّ أحدهم يحدّثني عن جلبار نقّاش، ونور الدين بن خذر، ومحمد بن جنات إلى أن ورد اسم رشيد بن للّونة، فتوقّف لحظة ثمّ قال: "يا خويا، هذاكا...دجتلمان". لم أفهم وقتها سرّ هذا الوصف إلى أن قابلت رشيد بعد حوالي سنتين ببرج الرّومي وفهمت أنّ الحدس الشعبي لا يحتاج أحيانا إلى النّهل من أمّهات الكتب لقراءة ذات البشر.
كان واضحا منذ أوّل لقاء أنّني، فعلا، أمام... دجنتلمان.
أحاول عبثا أن أجد الكلمات للحديث عن رشيد ولكنّها ترفض القدوم ربّما احتراما لرغبته في أن يبقى خارج دوائر الإطراء، بعيدا عن واجهة الشهرة، متلحّفا في تواضعه المعروف وحيائه الجبلّي.
وأنا أتصفّح الآن كرّاسات كتبها ببرج الرّومي فيما بين 1973 و1979 وأنظر إلى تلك الحروف الصغيرة المنتظمة النّسق والمرسومة بعناية، فكّرت فيما لو أنّها عُرضت على أخصّائي في الغرافولوجيا علّه يتوفّق في رسم ملامح صاحبها والنّفاذ إلى شخصية في مثل ثراء وتعدّد وعمق شخصية رشيد؟
والحقيقة أنّها لم تكن سوى فكرة عارضة إذ لا تهمّني الغرافولوجيا للإتيان على شخصية عزيز عليّ نشأت بينه وبيني، وبينه وبين رفاقه أكثر من وشائج ألفة، خيوطها اللاّمرئيّة أكثر بكثير من خيوطها المرئية. فنحن، رفاق المسيرة والڤميلة، أدرى بمن يكون رشيد، وأعلم بصفات ذلك الرّجل. فهو من نوع الذين لا يتركون دليلا ماديّا على الأواصر التي تربطك إليهم. فيهم شيء ما هوائيّ. مشاعرهم يرسلونها عبر الذبذبات ولا يصرّحون بها عن طريق الإعلانات.
مع كلّ صفحة من صفحات هذه الكراريس المهترئة يعود وجهه وهو يجهد النّفس في تفسير محتواها وعيناه تبحثان في عيون الرّفاق الذين قرأوها عمّا إذا كانت الفكرة قد أصابت منهم المبتغى وإلاّ أعادها بطريقة أخرى وبكلمات مغايرة حتى لا يهرب المعنى. أحالني على كتب عديدة من نوع تلك التي تُخرج الفرد من سجن الأيديولوجيا، وترفع عنه طمأنينة التشبّث باليقينيات، وتدخله بلا حزام أمان في منطقة الحيرة والسؤال. كانت زمنها تصلنا عشرات الكتب محمّلة بأحدث ما يدور من جدل فكري وثقافي في العالم فكان يلتهمها التهاما، ويدوّن في كراساته قراءاته وتعاليقه إلى جانب أشياء أخرى حميمية. ولعلّ الجميع يعترف أنّه كان أكثرنا ثقافة ومعرفة وإلماما... وتواضعا.
حكم عليه أوّل مرّة سنة 1968 بـعشر سنوات سنوات وستة أشهر سجنا ليغادره بعد سنتين قبل أن يعود إليه ثانية بموجب التراجع العبثي في قرار العفو الرئاسي حيث أودع السجن من جديد سنة 1973، من أجل مساعدته لمحمد بن جنّات على الهروب إلى خارج الوطن، ليقضّي ما تبقّى من الحكم الأوّل ولم يطلق سراحه سوى في أوت 1979. كانت الحصيلة ثماني سنوات كبر فيها في الأثناء ابنه وابنته وتعلّم فيها هو أناقة كتمان الوجع. ثمّ تسير الأقدار مرّة أخرى عكس اتّجاه الفرح ليفقد ابنته، آسية، بعد زمن قصير من مغادرته السجن الثاني... ولم تكن بلغت بعد سنّ السادسة عشىر من عمرها.
تعلّمت في حياتي أن لا أكره، فليس أسوء من أن يحمل المرء في داخله كرها. لكنّني فشلت في عدم كره الموت. لم أستطع أن أتعوّد على الأمر رغم فقداني أحبّة ورفاق كثر: نور الدين بن خذر، أحمد بن عثمان الردّاوي، محمد الشرفي، الهادي سلامة، فتحي المسدّي، محمّد بن جنّات، محمد الخميلي، عمّار منصور، علي الزايدي، الهاشمي الطّرودي، محمد شاكر خوجة، وآخرهم رشيد بن للّونة.
ليس سهلا أن تُطبِّع مع فكرة الفناء كلّما فكّرت في أشخاص لن تراهم بعد اليوم ماثلين أمامك، وكلّما تذكّرت أنّك لن ترى رشيد وهو يلحّ عليك في السّؤال عن محمّد الخنيسي المقيم بالحمّامات، ويُسرّ لك بانشغاله عن أحواله، وعن الصّادق بن مهنّي عشير العمر في السّجن ثمّ بعد ذلك في مجال التهيئة العمرانية، وعن عز الدين الحزقي ومغامراته مع الكتب والنّشر وحكايته مع الزّمن، وأحمد كرعود ومسيرته الطويلة ضمن آمنستي، والهاشمي بن فرج وتنوّع اهتماماته ووفائه لرفاقه، وعائشة بلعابد وولعها بتراثنا الأثري وغضبها من جهل هذا البلد بكل ما يزخر به من كنوز، وغيرهم من الرّفاق.
كان يحبّذ كثيرا الضّحك والدُّعابة شرط ألاّ أتجاوز منطقة واحدة معينة فيحدجني بنظرة تحمل أمرا بالكفّ عن الشّغب، كما كان يقول، كلّما قلت له: "تي سَيِّبْ عْلِيك من التّْسَاكِرْ المقوّدة" في إشارة إلى بعض من رفاقي الذين ذكرت.
فالصّداقة عند رشيد لا تحتمل المزاح، خفيفا كان أم ثقيلا. هي منطقة مقدّسة وحيز لامساس لا يدخله سوى من كان فيه صفاء ومحبّة. وكنّا ندخلها للقائه آمنين.
والحبّ عند رشيد منطقة هي الأخرى من أجمل ما عرف في حياته، وجدها في ليلاه. ومن يعرفهما حبيبين وزوجين يدرك معنى الحبّ والوفاء.
فلِلَيْلى رفيقة عمره، ولابنه سعيد، ولنا جميعا، صبرا جميلا وانتظارا كلّه شوق لما قد يأتينا من أخبار عن لقائه بمن سبق من رفاق رحلوا."